السيد عبد الله الشبر
52
تسلية الفؤاد في بيان الموت والمعاد
العناء ، باغتة الشقاء ، سريعة الفناء ، مولعة بشتات الأهل والأقرباء ، مفجعة القلوب بفراق الأحباء ، مسرعة بذهاب الأصحاب والأخلاء ، وهلاك الأمهات والآباء والأجداد والأولاد والأبناء ، تختطف الأطفال من حجور الأمهات والآباء ، وتقتنص الملوك بشراك الفناء ، فبينا أحدكم يمرح في ميادين عرصاتها ، ويسرح في أفانين « 1 » لذاتها ، ويرتع في رياض أزهارها ، ويترع من زلال أنهارها ، ويتمنى دوامها ، ويتجرع حلالها وحرامها ؛ ويجر إليه حطامها ، ولا تفزع نفسه عن اكتساب آثامها ، ولا تجزع جوارحه من مساس سمامها حتى أناخت بجسده ركائب آلامها ، ونزلت بصحة بدنه عوارض أسقامها ، فوقع حينئذ على فراشه ، واشتغل بعلّته عن معاشه ؛ وغشي عليه بعد انتعاشه ، ولعبت سكرة الموت في جاشه « 2 » ، وزلق البصر في وحل غواشه . فامتنع من لذيذ الطعام والشراب ، وخرس لسانه عن مخاطبة الأصحاب ، وانقبض عن رد الجواب ، فتشخص ببصره إلى أهله وبناته وأولاده ، وتحسر على مفارقة قومه وأجناده وطريفه وتلاده . هذا وفؤاده لملاقاة ملك الموت يرجف ، وعينه لمفارقة أولاده تذرف ، وأنواره ألوان ملاحة وجهه لشدة النزع تكسف ، وثمرة أنفاسه من غصن قدّس سرّه تقطف ، وروحه من بين جنبيه تخطف ، لا يقدر [ أن ] يمد [ يده ] إلى أمواله التي جمعها ، ولا إلى خزائنه التي عن ملاكها اقتطعها ؛ بل لا يقدر [ أن ] يمد يده إلى لقمة يأكلها ، ولا إلى شربة ماء ينهلها ، تعوده في مرضه الأحباء والإخوان والأصدقاء ، وتختلف عليه الأطباء ، وينشطه الطبيب الزور والإغراء ، ويبشره بالعافية والدواء ؛ وهو على فراش المهالك بخلاف ذلك ، قد ضاقت عليه المسالك ، وهو لطريق الموت سالك ، يبسط يمينا ويقبض شمالا ، ويعالج من سكرات الموت أهوالا ؛ ويجد تغييرا وبلبالا « 3 » ، تسأله
--> ( 1 ) الأفانين وأفنان جمع فن . ( 2 ) الجأش : النفس وقيل القلب . ( 3 ) البلبال : شدة الهم والوسواس في الصدور .